بعد نحو عقدين من آخر انتخابات تشريعية فلسطينية، تعود الانتخابات إلى صدارة المشهد السياسي، وسط آمال بإعادة تحريك المؤسسات المنتخبة وإنهاء جانب من حالة الجمود التي شهدها النظام السياسي الفلسطيني منذ انتخابات عام 2006.
وتكتسب الانتخابات المقرر إجراؤها في 28 نوفمبر 2026 أهمية خاصة، باعتبارها، حال إتمامها في موعدها، أول انتخابات تشريعية فلسطينية منذ نحو 20 عامًا، في ظل استمرار الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب وجود خلافات داخل حركة فتح نفسها.
الانتخابات الفلسطينية.. استحقاق بعد غياب 20 عامًا
وأجريت آخر انتخابات تشريعية فلسطينية في 25 يناير 2006، وأسفرت نتائجها عن تغيرات كبيرة في المشهد السياسي، قبل أن يتصاعد الخلاف بين حركتي فتح وحماس، وصولًا إلى الانقسام الفلسطيني عام 2007 وسيطرة حماس على قطاع غزة.
ومع استمرار الانقسام، تعطلت الحياة البرلمانية لسنوات، قبل أن يتم حل المجلس التشريعي رسميًا عام 2018، ومنذ ذلك الوقت لم يشهد النظام السياسي الفلسطيني انتخابات تشريعية جديدة.
وفي عام 2021، صدرت ترتيبات لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، حيث كان مقررًا إجراء الانتخابات التشريعية في 22 مايو، والرئاسية في 31 يوليو، إلا أن الانتخابات أُجلت قبل إجرائها، ليظل ملف تجديد المؤسسات المنتخبة معلقًا.
ومن المنتظر أن تمثل انتخابات نوفمبر 2026، حال إجرائها، محطة جديدة في مسار إعادة تشكيل المؤسسات السياسية الفلسطينية، وسط تساؤلات بشأن قدرة الفصائل على التوصل إلى تفاهمات تسمح بإجراء انتخابات تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة.
الخلاف داخل حركة فتح يعود إلى الواجهة
وبالتزامن مع الحديث عن الانتخابات، عاد الخلاف داخل حركة فتح إلى الواجهة، خصوصًا العلاقة بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس والقيادي الفلسطيني محمد دحلان وتيار الإصلاح الديمقراطي الذي يقوده.
وبحسب تصريحات المحلل السياسي الفلسطيني وعضو حركة فتح أيمن الرقب، فإن جذور الخلاف تعود إلى عام 2010، قبل أن تتسع خلال عام 2011 مع بروز تيار الإصلاح بقيادة دحلان، الذي كان حينها عضوًا في المجلس التشريعي الفلسطيني.
ويرى الرقب أن الخلاف لم يكن مرتبطًا بشخصيات بعينها فقط، وإنما امتد إلى قضايا تتعلق بإدارة النظام السياسي الفلسطيني ودور المؤسسات التشريعية، وهو ما أدى، وفق تقييمه، إلى ظهور تيار إصلاحي داخل حركة فتح واستمرار الخلاف السياسي بين الجانبين خلال السنوات التالية.
وأشار الرقب إلى أن محاولات إنهاء الخلاف لم تقتصر على الاتصالات الداخلية، موضحًا أن مصر والأردن والإمارات ولبنان، إلى جانب أطراف دولية، شاركت في جهود هدفت إلى تقريب وجهات النظر بين تيار الإصلاح والرئيس محمود عباس.
وبحسب الرقب، لم تنجح هذه التحركات في إنهاء الخلاف، في ظل استمرار المواقف المتباينة بشأن مستقبل تيار الإصلاح وعلاقته بحركة فتح.
تجربة انتخابات 2021
ويستند النقاش حول إمكانية عودة تيار الإصلاح إلى المشهد الانتخابي إلى تجربة انتخابات عام 2021، التي لم تكتمل بعد تأجيلها.
وقال الرقب إن تيار الإصلاح شارك في تلك التجربة من خلال «قائمة المستقبل»، التي تقدمت للمنافسة واجتازت الطعون القانونية، معتبرًا أن القائمة كان يمكن أن تحصل، وفق تقديره، على نحو 15 مقعدًا في حال إجراء الانتخابات.
وأدى تأجيل الانتخابات آنذاك إلى توقف هذه التجربة، إلا أن اقتراب الاستحقاق الانتخابي الجديد أعاد التساؤلات بشأن شكل مشاركة التيار، وما إذا كانت ستتم من خلال إطار حركة فتح أو عبر قوائم وتحالفات سياسية أوسع.
تحالفات انتخابية محتملة
ومع اقتراب موعد الانتخابات، تدور نقاشات بشأن إمكانية تشكيل قوائم وتحالفات وطنية تضم قوى وفصائل فلسطينية مختلفة، في ظل اتصالات بين تيار الإصلاح الديمقراطي وقوى سياسية أخرى، من بينها حركة حماس.
ولم تتحول هذه الاتصالات، وفق المعطيات الواردة في تصريحات الرقب، إلى تحالف انتخابي نهائي ومعلن، إلا أنها تعكس اتساع النقاش حول شكل المنافسة الانتخابية المقبلة.
ويرى الرقب أن الحرب في قطاع غزة وما تبعها من تطورات سياسية وإنسانية ساهمت في إعادة تشكيل المشهد الفلسطيني، كما أشار إلى مشاركة تيار الإصلاح في تحركات ولقاءات مرتبطة بملفات المصالحة الفلسطينية.
ولفت إلى أن التيار شارك في لقاءات ضمت عددًا من الفصائل الفلسطينية، من بينها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، وهو ما قد يفتح أمامه، وفق رؤيته، خيارات سياسية تتجاوز مسألة العودة إلى الإطار التنظيمي لحركة فتح.
المصالحة داخل فتح قبل الانتخابات
ولا يقتصر الجدل المرتبط بالانتخابات المقبلة على شكل القوائم والتحالفات، إذ تبرز المصالحة داخل حركة فتح باعتبارها أحد الملفات المطروحة بالتزامن مع الاستعداد للاستحقاق الانتخابي.
ويرى الرقب أن التوصل إلى تفاهم بين تيار الإصلاح الديمقراطي والرئيس محمود عباس يمثل خطوة مهمة قبل إجراء الانتخابات، معتبرًا أن المصالحة داخل فتح يمكن أن تكون مدخلًا نحو مصالحة فلسطينية أوسع.
وأشار إلى الدور المصري في هذا الملف، موضحًا أن القاهرة بذلت جهودًا خلال السنوات الماضية من أجل تقريب وجهات النظر وإنهاء الخلاف بين الأطراف الفلسطينية، إلا أن هذه الجهود لم تؤد حتى الآن إلى اتفاق نهائي.
تحديات أمام انتخابات نوفمبر 2026
وتواجه الانتخابات الفلسطينية المرتقبة مجموعة من التحديات، من بينها الأوضاع في قطاع غزة، ووضع القدس الشرقية، إلى جانب الخلافات السياسية بين الفصائل الفلسطينية.
كما أثارت هذه الملفات نقاشات بشأن إمكانية تأجيل موعد الانتخابات المقرر في 28 نوفمبر 2026، في وقت تؤكد فيه حركة فتح أهمية أن يكون تحديد موعد الانتخابات جزءًا من توافق وطني فلسطيني.
وبينما تستمر الاتصالات المتعلقة بترتيب المشهد الفلسطيني، تبدو الانتخابات المقبلة أمام اختبار يتجاوز مجرد اختيار أعضاء المجلس التشريعي، إذ ترتبط بإمكانية إعادة تنشيط المؤسسات السياسية وفتح مسار جديد أمام النظام السياسي الفلسطيني.
ويبقى نجاح هذا المسار مرتبطًا بقدرة القوى والفصائل الفلسطينية على التعامل مع الانقسامات المتراكمة، سواء بين الضفة الغربية وقطاع غزة أو داخل حركة فتح نفسها، إلى جانب التوصل إلى تفاهمات بشأن قواعد العملية الانتخابية وشكل المشاركة السياسية.
وفي النهاية، تظل الانتخابات الفلسطينية المقبلة، حال إجرائها في موعدها، اختبارًا مهمًا لمدى قدرة النظام السياسي على تجاوز حالة الجمود التي استمرت منذ انتخابات 2006، وإعادة بناء مؤسسات تمثيلية في ظل واقع فلسطيني شديد التعقيد.

